مذكرات «النٌص» التي ضيعتها الوطنية!

Views: 157

على عادة الأفلام والمسلسلات «التاريخية» الروائية مثل «فارس بلا جواد» و«كيرة والجن» و«أدهم الشرقاوي» يرسم مسلسل «النٌص»، المعروض ضمن موسم رمضان الحالي، صورة متخيلة مستقاة من الحكايات الشعبية الخيالية عن الصعاليك وقطاع الطرق واللصوص باعتبارهم أبطالا شعبيين ساهموا في تحرير مصر من الاحتلال والاقطاع وأعادوا، بطريقتهم، التوازن الطبقي المفقود في المجتمع.

مرة أخرى نحن أمام عمل يتلفع بالتاريخ ليوجه خطابا للحاضر، يلتقط من المصادر (كتبا أو صحفا) نتفا تتوافق مع الصورة الذهنية الجاهزة، ويستبعد ما يخالفها، وينسج عليها أفكارا ولغة وتفاصيلا وشخصيات درامية عصرية، لصنع عمل يدغدغ مشاعر الاعتزاز بالنفس، ويثير حماسة تواقة للفخر بالذات، ويصب في ترسيخ ما سبق تخيله من قبل عن هذا التاريخ.

قصة انتقادية فكاهية

«النٌص» مقتبس من كتاب للباحث المدقق أيمن عثمان يضم نَص كتاب نادر صدر في 1930 بعنوان «مذكرات نشال»، مع مقدمة حول ظروف صدور هذا الكتاب وملاحق من صحف صادرة في الفترة نفسها حول «مهنة» النشل ومصطلحات النشالين وبعض الفئات الهامشية المماثلة مثل المحتالين والبغايا والغجر والنور.

لا يزعم أيمن عثمان في كتابه أن كتاب «مذكرات نشال» وثيقة تاريخية، ويبين أن الكتاب واحد من مجموعة كتب وموضوعات صحفية راجت خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي تحمل صفة “المذكرات”، منها “مذكرات عربجي”، “مذكرات بغي”، و”مذكرات نشال” التي كتبها الصحفي حسني يوسف ناشر صحيفة “لسان الشعب”، والذي كتب أيضا “مذكرات فتوة” وكان ينوي أن يتبعهما بـ”مذكرات متشرد”. ويشير أيمن عثمان أيضا إلى أن حسني يوسف ربما يكون قد ألف المذكرات “من وحي خياله بعد الاستعانة بالأرشيف الصحفي المتاح في ذلك الوقت”. ومن ذلك الأرشيف غلاف كتاب أيمن عثمان نفسه، الذي يتصدره صورة لنشال آخر، حقيقي، هو محمد فهمي الدرستاوي منقولة عن مجلة «الدنيا المصورة» (العدد الثاني- 29 مايو 1929).

وكما يشير حسني يوسف نفسه على غلاف المذكرات فإن كتابه هو “قصة انتقادية فكاهية تعطيك صورة من أخلاق وعادات النشالين وحيلهم وأساليبهم في النشل، قصها بطل وقائعها المعلم عبد العزيز النص على صاحب جريدة “لسان الشعب” وطلب منه نشرها”. ومن الطريف أن النسخة التي اعتمد عليها أيمن عثمان تحمل إهداءً إلى الأديب توفيق الحكيم شخصيا يقول فيه: “إلى أمير البيان الكاتب العبقري القصصي المبدع الأستاذ توفيق الحكيم أهدي إليك قصتي”.

حكايات شعبية لقارئ بورجوازي

وسواء كان المعلم عبد العزيز النصٌ حقيقيا أم متخيلا، فنحن أمام نص يمزج بين واقع عصره (الذي أصبح “تاريخا” الآن) وما نشرته صحف تلك الفترة عن هذا الواقع. نص ساهم فيه خيال حسني يوسف الذي قام بتحرير هذه “المذكرات”، ربما، كما يشير أيمن عثمان أيضا، “بهدف الاستهلاك التجاري”، وهو توصيف يمكن أن نمده إلى مسلسل “النصٌ” نفسه، الذي يبين إلى أي حد يمكن أن يستغل ويحرف التاريخ بهدف الاستهلاك التجاري.

وبغض النظر عن مدى صحة مذكرات عبد العزيز النص (وغيرها من “مذكرات” تلك الفترة) فهي ترسم صورة للشوارع الخلفية لقاهرة الثلث الأول من القرن العشرين، مقدمة لقارئ متعلم بورجوازي بهدف إثارة فضوله وانبهاره، مثلها مثل الوسائط الحديثة لذلك العصر: الصحافة والكتب والسيرك والملاهي الليلية وفنون الغناء المسرح والسينما، وما شابهها من وسائط المدنية الحديثة التي وصلت إلى ذروة حضورها وتأثيرها خلال النصف الأول من القرن العشرين. وسائط طالما سعت لاشباع نهم أبناء الطبقة الوسطى لحكايات المهمشين والخارجين على القانون والتقاليد، وقصص الانتقال والتحرك عبر الطبقات والفئات الاجتماعية والأماكن.

يحمل كتاب «مذكرات نشال» أهمية تاريخية مختلفة، يشير إليها أيمن عثمان في مقدمته، ذلك أنه وثق لنا لغة ومصطلحات ذلك العصر ورسم لنا صورة للحياة اليومية في “بوتقة” القاهرة التي كانت تمور وتزأر وتئز بحراك إجتماعي وثقافي لم يسبق له مثيل.

تاريخ..وتاريخ مضاد

«مذكرات نشال» وغيرها من مطبوعات وصور وأغاني وأفلام ووثائق هذه الفترة بإمكانها أن ترسم لنا صورة ثرية نابضة بالحياة لعصرها، يمكن أن تشكل مراجعا لا غنى عنها لعمل أفلام ومسلسلات وروايات حول تلك الفترة. ومن باب ذر الملح في العيون يقوم مسلسل «النٌص» في نهاية كل حلقة باستخدام بعض المعلومات المستقاة من صحف تلك الفترة لاعطاء الوهم بأن عملهم “مستوحى من التاريخ”، حسب تعبيرهم، ولكن التدقيق، بل مجرد النظر العابر، لذلك المسلسل يبين إلى أي حد يمكن اساءة استخدام المادة التاريخية لاعطاء صورة لا تمت لذلك التاريخ بصلة ولا ببصلة!

في السيناريو الذي يحمل أسماء ثلاثة من المؤلفين هم شريف عبد الفتاح ووجيه صبري وعبد الفتاح جاويش، لم يسبق لأيا منهم أن كتب أو شارك في كتابة عمل “تاريخي” وسوابقهم تشير إلى برامج ومسلسلات كوميدية خفيفة، يختفي المعلم عبد العزيز النصٌ ليطفو النجم الكوميدي أحمد أمين، الموهوب والمختلف بالفعل عن معظم الكوميديانات المتواجدين على الساحة، كما يختفي عالم النٌص وروح النَص الذي يوثقه ليطفو عالم درامي هجين من أعمال مصرية وأجنبية وروح استرضائية تجميلية، تسعى في اتجاهين متعاكسين: نجم العمل، وجمهوره.

نزع الفكاهة ولصق الكوميديا

سأحاول توضيح الفكرة على قدر ما أستطيع: «مذكرات نشال» نَص خفيف الدم وكوميدي بشكل استثنائي، ضحكت خلال قراءته أكثر مما ضحكت طوال 15 حلقة من المسلسل. وهو تلقائي وصريح وحيوي حتى تشعر معه وكأنك انتقلت إلى قلب قاهرة العشرينيات. وعبد العزيز النٌص مواطن عادي يسعى لإعالة أسرته، أقسم على اعتزال النشل بعد زواجه، ولكن بسبب قلة راتبه من العمل محصلا بالترام وعقب مشاركته في إضراب قام خلاله بالقاء “خطبة بنت كلب لعن فيها مدير الشركة والشركة واللي عملها” يتم فصله من عمله، مما يدفعه إلى العودة للنشل. وهو يستعين بشيخ أزهري يفصل له فتوى تبرر له النكث بقسمه مقابل مكافأة.

لا وجود هنا للشقيق الجامعي المناضل الوطني الذي يتلقى رصاصة من البوليس ويسجن، وعبد العزيز لا هم له سوى كسب الرزق لإعالة أسرته المكونة من زوجته وخمسة أطفال، وليس لديه قضية وطنية ولا مبادئ روبن هود الذي يعيد توزيع ما يسرقه على الفقراء كما يبين المسلسل. ورسمية عاهرة تقوم باصطياده مع زوجها القواد (وليس شقيقها كما في المسلسل) وهو يلتقيها مرة ثانية بالصدفة فيقوم بالاحتيال عليها وسرقة مصاغها ولكنه يقع في يد نصاب زميل يريد مشاركته في الغنيمة.

***

حكايات متداخلة كأنك في ألف ليلة وليلة، تصلح لعمل مسلسل كوميدي رائع. لكن يبدو أن صناع مسلسل «النٌص» لم يكفهم خفة دم كاتب المذكرات وحياته، فراحوا يحذفون شخصيات ومواقف، ويضيفون أخرى، وبعد حلقتين أو ثلاثة غادروا النص الأصلي إلى الأبد لصالح نسخة مكررة مهجنة من «سيرة البطل الشعبي الوطني» التي لا أثر لها في المذكرات، وفجأة أصبح عبد العزيز يسرق لجمع المال من أجل أتعاب محامي أخيه، وفجأة انضم إلى المقاومة الوطنية، ونجح في اقناع ضابط وطني بالانضمام إلى العصابة، التي تحولت فيها رسمية إلى بغي فاضلة تعهر من أجل انقاذ ابنة شقيقها القواد، وتربطها قصة حب بالضابط، والعمليات لم تعد تقتصر على النشل، بل صارت عمليات مقاومة للاحتلال والقائد العسكري البريطاني، تتنكر فيها العصابة لانقاذ آثار وذهب مصر ويسرقون جوهرة التاج البريطاني ويسطون على البنك الانجليزي، وكأننا انتقلنا إلى مسلسل «لا كازا دي بابل» الإسباني أو شبيهه المصري «بميت وش»!

منزوع الفكاهة والرائحة

هذه الرغبة في “تجميل” و”تنبيل” (من النبل) البطل أفقدت العمل خفة دمه وتلقائيته وحتى لغته الطريفة. اقرأ مثلا الفقرة التالية التي يصف فيها هبوطه من الترام وسيره بلا هدى عقب فصله من شركة الترام: “رحت نازل منه (الترام) ومخرم ع الجنينة اللي فيها تمثال خيبة مصر بتاع مختار”!

يحفل كتاب المذكرات بالمشاهد والألفاظ الجريئة التي لا يستطيع أي مسلسل أن يقدمها الآن، ولكن حتى بعيدا عن المشاهد والألفاظ، فإن صناع المسلسل حذفوا المواقف والشخصيات نفسها واستبدلوا اللغة الشعبية القديمة بلغة “مسلسلاتية” عصرية لا أثر فيها للعامية المصرية في بداية القرن العشرين. ولست أفهم إذا كانت المذكرات مكتوبة بالعامية، ولدينا الصحف والكتب والأغاني والمسرحيات والأفلام التي صدرت منذ ثرن وأكثر، فكيف لا نستطيع كتابة حوار درامي يحاكي اللغة التي كانت سائدة آنذاك؟ نحن لا نتحدث عن مسلسل «معاوية» الذي كتب حواره بمصطلحات ولهجة اليوم، فربما كان صعبا معرفة كيف كان يتكلم العرب منذ 14 قرنا، ولكننا نتحدث عن عصر قريب تم توثيق لغته ومصطلحاته في آلاف المطبوعات والأغاني والأفلام! في مقابل الحذف والتنقيح الذي قام به صناع «النٌص» للأصل وما أضافوه من خطوط وطنية وجهادية جادة، حاولوا تعويض الكوميديا التي فقدت بإضافة مواقف وحوارات كوميدية لفظية مستهلكة.. ربما يثير بعضها الضحك، ولكنها مفتعلة وملصقة على العمل.

إدارة الممثلين

انظر إلى صور العشرينيات في مصر، يمكنك أن تشم رائحة التراب في الأحياء الشعبية، ورائحة العرق من أجساد الفقراء والمشردين، ورائحة الكولونيا القديمة وصابون نابلسي شاهين من أجساد الأفندية والهوانم. وانظر إلى الحوائط وقطع الأثاث والملابس وسوف تلمس أنواع الخامات وأثر الاستخدام عليها. ثم انظر إلى صورة مسلسل «النٌص» لترى العجب العجاب: لدينا سوق شعبي وعطفة متفرعة من حارة بجوار السوق، كل من يظهر فيهم يرتدي جلبابا خارجا للتو من “كيس” المصنع، نظيف ومكوي، ولديهم وجوها حليقة نظيفة وشعر خارج للتو من تحت يد «كوافير» المسلسل. وبجانب أن بعضم غير مناسب للدور مثل سامية الطرابلسي التي تلعب دور عزيزة، يبدو أن التعجل لم يسمح للمخرج حسام علي ببذل جهد في إدارة الممثلين، لغويا وجسديا وانفعاليا، لاعطاء الايحاء بالفترة التاريخية. وينطبق ذلك على التصوير الذي يتم عادة بأكثر من كاميرا، ولكن ليس بالزوايا والأحجام المناسبة، ما يشيع إحساسا بالتشوش والارتباك خاصة عند تقطيع المشاهد في المونتاج.

الإضاءة دائما لامعة تنير كل شئ، والشوارع ليست أقل نظافة ولمعانا من وجوه الممثلين. لدينا ترام يقبع مثل بطة الملاهي لا يتحرك طوال المسلسل، وديكور لا يكلف نفسه أدنى جهد ليوحي بالمصداقية. حتى على مستوى الألوان لا يكلف مخرج العمل ومدير تصويره نفسيهما بوضع “باليتة” ألوان وإضاءة توحي بالتاريخ، أو بصبغة تصحيح ألوان أصبحت تنفذ بالكمبيوتر دون تدخل بشري، لتوحي بقدم الصورة. الشئ الوحيد تقريبا الذي يوحي بالتاريخ هو المعلومات التي تظهر على الشاشة بعد نهاية كل حلقة، والتي تبدو أحيانا بعيدة عن الموضوع، مثل احصائيات السيارات التي تتكرر في نهاية حلقتين، وأحيانا تبدو كتبرير لابتعاد المسلسل عن موضوعه، مثل حكاية مجوهرات التاج البريطاني! خسارة أن لا يلقى نص «مذكرات نشال» ولا موهبة أحمد أمين ما يستحقانه من كتابة وانتاج وإخراج كان بإمكانهم أن يصنعوا مسلسلا فريدا في نوعه.

اقرا أيضا:

«معاوية»..سهم طاش فأصاب الهدف!

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. منفضل اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.