«سميحة أيوب» في أوراق قديمة منسية: «الإمبراطورة»

في عام 1964 استحدث فتحي غانم بابا في مجلة «صباح الخير» بعنوان «أوراق قديمة منسية» استكتب فيه العديد من نجوم المجتمع في شتى المجالات الأدبية والصحفية والفنية والرياضية والسياسية، ليكتبوا بعضا من ذكرياتهم القديمة المنسية أو ورقة من سيرتهم الذاتية لا يعلم عنها أحد شيئا، فكان الباب نموذجا للسيرة الذاتية للعديد من المشاهير. هنا نزيل الغبار عن هذه الأوراق القديمة لنخرجها من بؤرة النسيان التي طالتها داخل أوراق الدوريات لتصبح أوراقا غير منسية. هنا أوراق الفنانة «سميحة أيوب».

حدث هذا في باريس عام 1955، بعد رحلة استغرقت شهرا، طافت خلالها الفرقة المصرية الحديثة برئاسة يوسف وهبي دول شمال إفريقيا، وصلنا إلى باريس لتقديم عروضنا طوال شهر كامل على أحد المسارح الفرنسية الكبرى بحي “بيجال”.

كان يوسف وهبي قد أعد عدته لهذه الرحلة وعلق عليها آمالا كبيرة، أمضينا يومين في العاصمة الفرنسية نستعد للافتتاح، وكانت هذه هي أول زيارة لي في حياتي لعاصمة أوربية، حتى أنني كنت في دهشة القروية التي تزور مدينة لأول مرة. وفي اليوم السابق للافتتاح، زارني يوسف وهبي في حجرتي بالفندق وقال بلهجته التركية والدبلوماسية في وقت واحد:

  • «سموحة».. إحنا حنمثل راسبوتين الليلة الجاية.

كتمت فرحة في داخلي، إذ أنني لست من ممثلات راسبوتين، مما سيتيح لي فرصة الراحة والتنزه عدة ليال. وأجبته بهدوء:

  • وماله؟ دي رواية عظيمة وأنا واثقة أنها حتنجح جدا هنا.

وعاد يوسف وهبي يقول بصوته العميق المهذب جدا:

  • بس فيه إشكال صغير..

فسألته: خير، وهو فيه إشكال ولا غيره يقف قدام يوسف بيه؟

وعاد يقول، وبدأت أتوجس خيفة:

  • أصل «فلانة» بطلة راسبوتين ماجاتش معانا زي ما أنتي عارفة.

وهنا أحسست برأسي يدور، إذ فهمت على الفور ما يقصده. فسكت بينما واصل حديثه الهادئ:

  • أنا جبت لك نسخة من الرواية، وقدامك من دلوقت لحد بكرة المغرب.. تقدري تحفظي الدور قوي.

وصرخت من أعماقي: إزاي؟؟

وبهدوء أشد قدم لي يوسف وهبي نسخة راسبوتين واستدار ثم توقف وقال لي: “على فكرة.. الدور دور الإمبراطورة. طبعا أنت فاكرة”.

***

وتركني وانصرف. لم أتمالك نفسي، فجلست على أقرب مقعد وسرحت أفكر كيف يمكن أن يحدث ذلك. إذ أن علاقتي براسبوتين لا تزيد على علاقة أي متفرجة عادية برواية شاهدتها مرة أو مرتين. كيف يمكن إذن أن أحفظ الدور وأمثله مساء الغد في باريس، التي كنت أرتجف من مجرد السير في شوارعها؟ فما بالي بالتمثيل على خشبة أحد مسارحها؟

ثم إذا استطعت المستحيل وحفظت الدور، فكيف أتحرك على المسرح؟ ومن أين لي بمعرفة الشخصيات الأخرى؟ وليس هناك وقت لإجراء بروفات.

كنت مازلت جالسة في مكاني عندما ظهر يوسف وهبي أمامي، وكدت أقذف إليه بالنسخة، وفكرت في أن أجري إلى سفارتنا بباريس وأصرخ فيهم ليعيدوني إلى القاهرة هربا من يوسف وهبي. تقدم مني يوسف ومد يده إليّ بورقة وهو يقول:

  • إيه رأيك في تصميم الأفيش ده؟

ونظرت، كان قد أعد صورة مصغرة للإعلان عن الرواية قرأت عليه العبارة التي يحاول أن يتسرب بها إلى عقلي الباطن:

(راسبوتين… بطولة يوسف وهبي وسميحة أيوب)

ولم ينتظر مني تعليقا بل أخذ يقول:

  •  أفيش مدهش.. الألوان هتعجبك جدا.

ثم استدار وسار بضع خطوات قبل أن يقول:

  • أنا إديتهم تعليمات في اللوكاندة بإرسال الأكل لك هنا.

ثم استدار ومد يده بزجاجة تناولتها صاغرة وقال:

“دي يا ستي حبوب كويسة قوي تاخدي حباية أول ما تحسي بالنوم.. حيروح على طول وتقدري تسهري للصبح. كويس كدة؟ واختفى!”. إذن فالحكاية جد! وكما قال طارق بن زياد لجنوده: “العدو من أمامكم والبحر من خلفكم”.

***

وشهدت حجرتي من لوكاندة “جراند أوتيل” في ميدان الأوبرا بباريس إنسانة مجنونة تسير في الحجرة جيئة وذهابا، ترفع صوتها ثم تخفضه، تحدث نفسها في المرآة، تبكي وتصرخ ثم تغازل حبيبا غير موجود، ثم تصفعه، ثم تتوقف لتأكل، وتتحدث وتسير طوال 36 ساعة.

أما ما حدث بعد هذه الساعات الرهيبة فلا أكاد أذكره… لا أعرف كيف انتقلت من الفندق إلى المسرح، ولا كيف ارتديت ملابس الدور، ولا كيف وضعت الماكياج. أذكر فقط أني فجأة وجدت نفسي فوق خشبة المسرح وأمامي الجمهور. وكانت أول مشكلة واجهتني أني لا أعرف أسماء شخصيات الرواية ومن يقوم بتمثيلها. فأمامي على المسرح المرحوم فاخر محمد فاخر والأستاذ حسن البارودي، ولست أعرف أي دور يؤديه كل منهما.

***

هذه مشكلة لمن أوجه الحديث؟ وتفاقمت المشكلة عندما امتلأت خشبة المسرح حولي بشخصيات كثيرة. كان المشهد حفلا كبيرا في قصر الإمبراطورة، وبدأ التشريفاتي يقرأ أسماء المدعوين، وكان مفروضا أن أعرفهم. فأمد يدي لمصافحة كل من يقرأ اسمه.

وهنا أنقذني المرحوم فاخر من ورطتي، كان اسمه أول الأسماء وسمعته يهمس:

  •  (بس.. بس).

فالتفت إليه وقدمت له يدي، وفهم الزملاء ما فعله فاخر فقلدوه، وأسدل الستار على الفصل الأخير. ولا أعرف كيف عدت إلى الفندق ولم أسمع كلمات الثناء التي حياني بها يوسف وهبي والمرحوم فاخر وباقي الزملاء.

ولم يرحمني الكابوس طوال الليل. صحوت على طرق شديد فقمت ارتدي ملابسي على عجل وأفتح الباب لأرى يوسف وهبي وبيده جريدة “الفيجارو” الفرنسية التي قدمها لي لأرى في صفحتها الأولى صورة كبيرة لي في دور الإمبراطورة. قرأ لي تعليق الناقد وقلبي يدق، وكان التعليق أعظم كلام يمكن أن يوجه إلى ممثلة عمرها الفني لا يتجاوز أربعة أعوام. وترك لي يوسف نسخة الجريدة وقبل أن ينصرف قال:

  •  استعدي يا “سموحة” عشان الليلة لازم تكوني أعظم من إمبارح.
***

وعندما غادر يوسف وهبي حجرتي ومددت يدي لأشاهد صورتي بالجريدة، أحسست بدموعي تسيل على خدي. لم تكن دموع الإمبراطورة هذه المرة.. كانت دموع إنسانة غلبانة جدا وجدت نفسها أخيرا هناك، في إحدى حجرات فندق “جراند أوتيل” بباريس، يشيد بها ناقد لم يرها من قبل في صحيفة تراها لأول مرة في حياتها.

تذكرت هذه الورقة من أوراقي القديمة غير المنسية أبدا عندما كنت جالسة منذ أيام في القاعة الكبرى بمسرح الأزبكية مع زميلاتي وزملائي لنبدأ التدريبات على مسرحية “الندم” لجان بول سارتر. قال المخرج سعد أردش:

  • سنحتاج في هذه المسرحية لثلاثة أشهر من البروفات.

وأجبت:

  •  “بل أربعة”.

وطافت بخاطري هذه الورقة القديمة. تذكرت أنني قدمت رواية لمؤلف مصري في باريس في 36 ساعة، وهأنذا أطلب أربعة شهور لأقدم رواية لمؤلف باريسي في مصر. إذن، الذي جعلني أفعل ما فعلت في باريس وأطلب ما طلبت في القاهرة هو ذلك الحبيب الغالي والقاسي معا: المسرح.

                                                                     3 ديسمبر 1964

اقرأ أيضا:

«تحية كاريوكا» في أوراق قديمة منسية: سر حربي

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. منفضل اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.