سامح قاسم يكتب: «فوات الأوان».. بين الشعر ومنطق القص

يأتي ديوان «فوات الأوان» ليشكل محطة بارزة في المشهد الشعري المعاصر، حيث يقدّم تجربةً متفردة تتقاطع فيها الأسئلة العميقة مع البوح الذاتي الذي يتخذ من اللغة أداة للبحث عن المعنى في عالم مضطرب. يحمل العنوان في حد ذاته ثِقل الزمن، إذ يوحي بانقضاء الفرص وتلاشي الإمكانات، لكنه في الوقت ذاته يستدعي السؤال حول ماهية “الأوان” ذاته: متى يكون الفوات حقيقة، ومتى يكون مجرد وهمٍ يفرضه الإدراك الإنساني؟
يمتاز الديوان بنسيجٍ لغوي متشابك، حيث يعتمد الشاعر على تفكيك الزمن وإعادة تركيبه عبر تراكيب لغوية متداخلة، تتسم بالمراوحة بين الحضور والغياب، التذكر والنسيان. ويظهر هذا الأسلوب في اختياراته اللغوية التي تميل إلى الجمل المتقطعة ذات التوتر الداخلي، والتي تعكس إيقاعًا مضطربًا يعكس تجربة الشاعر الذاتية. كذلك، يتجلى الاغتراب كثيمة رئيسة في الديوان، ليس بوصفه اغترابًا مكانيًا فقط، بل كحالة نفسية تتجسد عبر استحضار المكان والزمان بطريقة رمزية متحولة.
من خلال قراءة متأنية، يمكن ملاحظة أن «فوات الأوان» ليس مجرد رثاء للحظات المفقودة، بل هو تفكيك للزمن ذاته بوصفه بُعدًا نفسيًا أكثر منه إطارًا ماديًا. يطرح الديوان أسئلةً كبرى تتعلق بالندم والانتظار، ويرسم خريطة شعورية تُعيد تشكيل العلاقة بين الذات والعالم، بين الحب والفقد، وبين الحضور والتلاشي. كذلك، يظهر الطابع السردي في كثيرٍ من قصائد الديوان، حيث يستعير الشاعر منطق القص، لكنه يذوّبه داخل اللغة الشعرية التي تتلاعب بالإيقاع والصورة. إن قراءة “فوات الأوان” لا تتم من خلال المعاني المباشرة التي يسردها، بل عبر ما يوحي به، وما يتركه بين السطور من أسئلة مفتوحة قد لا تمتلك إجابات قاطعة، لكنها تظل قادرة على تحريض الذهن وإثارة التأمل في ماهية الشعر والزمن والإنسان معًا.
البنية الأسلوبية والتجريب الفني
يشكل الأسلوب الشعري في «فوات الأوان» جوهر التجربة الفنية للشاعر، حيث يتداخل النثر مع الإيقاع الداخلي ليخلق بناءً متعدد الطبقات. يعتمد الشاعر على تفكيك الجملة التقليدية وإعادة تشكيلها ضمن سياقات جديدة تخلق انزياحات دلالية، وهو ما يجعل النصوص تنفتح على قراءات متعددة. كما يستعين بالصور المفاجئة، والتراكيب الغرائبية، مع حضور متكرر للحذف والتكرار الذي يمنح النصوص توتراً ديناميكياً.
إن التجريب في الديوان لا يقتصر على البنية اللغوية فحسب، بل يمتد إلى الأشكال البصرية للنصوص، حيث نجد استخدام الفراغات والتقطيع الداخلي، مما يضفي طابعًا بصريًا على القراءة، وكأن الكلمات تنحني وتتمدد لتعكس إيقاع التجربة الشعرية ذاتها. هذا الأسلوب يعزز التفاعل بين القارئ والنص، إذ يجبره على إعادة ترتيب المعاني وفقًا لتجاربه الخاصة.
كذلك، نجد أن الشاعر يتلاعب بالإيقاع الداخلي للنصوص عبر تكرار المفردات أو الجمل، مما يخلق إحساسًا بالإيقاع رغم غياب الوزن التقليدي. هذا الاستخدام الذكي للإيقاع الداخلي يعكس توترًا شفيفا ويخلق موسيقى داخلية تتماشى مع مضامين الديوان، خاصة في لحظات التأمل العميق أو الاعترافات المتأخرة التي تهيمن على أجواء النصوص. وتتراوح اللغة بين التكثيف والتجريد، حيث نجد بعض المقاطع تميل إلى الغموض الذي يدفع القارئ إلى البحث عن المعنى في المسكوت عنه، بينما تتسم مقاطع أخرى بالوضوح والتصريح العاطفي القوي. هذا التناوب بين التجريد والتوضيح يجعل النصوص متحركة ومرنة، قادرة على استيعاب حالات شعورية متناقضة، مما يمنح الديوان طابعًا متفردًا.
إضافةً إلى ذلك، يمكن ملاحظة أن الشاعر يعتمد على التناص مع نصوص أدبية وفكرية أخرى، سواء عبر الإشارة إلى شخصيات أدبية أو توظيف عبارات تعيد إنتاج مفاهيم فكرية ضمن سياق شعري جديد. هذا البعد يجعل الديوان يتحاور مع التراث الأدبي، لكنه في الوقت ذاته يعيد صياغته بأسلوب حداثي يتناسب مع التجربة المعاصرة. يمكن القول إن «فوات الأوان» يقدّم تجربة شعرية تستكشف إمكانات اللغة بطرق غير تقليدية، حيث تتلاعب الكلمات بمساحتها ومعانيها، مما يجعله نموذجًا للشعر الذي لا يسعى فقط إلى التعبير، بل إلى إعادة تشكيل إدراك القارئ للعالم واللغة ذاتها.
الزمن والندم بين الحضور والغياب
يشكل الزمن أحد المحاور المركزية في ديوان «فوات الأوان»، حيث يظهر بوصفه عنصرًا متحركًا بين الماضي والحاضر، وليس مجرد إطار ثابت. يستعيد الشاعر الزمن في صور متباينة، فيبدو أحيانًا كظلٍ ثقيل، وأحيانًا أخرى كنافذة مفتوحة على احتمالات لا نهائية.
يتلاعب النص الشعري بمفهوم الزمن عبر استدعاء الذكريات ومزجها بالواقع، مما يخلق شعورًا بالاستمرارية والانقطاع في آنٍ معًا. تتكرر في الديوان مفردات مثل “الانتظار” و”الغياب” و”الفقد”، مما يعكس شعورًا عميقًا بالندم على ما لم يكن، وعلى الفرص الضائعة التي لم تُلتقط في وقتها المناسب.
يبرز الحنين كعامل رئيسي في بنية الديوان، لكنه ليس الحنين الرومانسي التقليدي، بل هو حنين ممزوج بالمرارة والوعي بأن الماضي، رغم إشراقه في بعض الأحيان، قد صار جزءًا من ذاكرة لا يمكن استعادتها إلا عبر اللغة.
كما يستعين الشاعر بالصور الزمنية المتحولة، مثل الليل الذي يتكرر كرمز للانتظار، والمرايا التي تعكس ماضياً بعيدًا، مما يجعل من الزمن كائنًا حيًا في النصوص. هذه التقنيات تمنح الديوان طابعًا متحركًا ومتعدد المستويات، حيث يصبح كل نص رحلة داخل الزمن، لكنها ليست رحلة تعيد الماضي، بل رحلة تكشف عن استحالة العودة إليه.
البناء الصوري والرمزي
يتميز ديوان «فوات الأوان» ببنية صورية غنية ومتعددة المستويات، حيث يعتمد الشاعر على خلق صور ذات طبيعة رمزية تتجاوز المعنى المباشر للكلمات، ما يمنح النصوص أبعادًا إضافية من التأويل والتفاعل مع القارئ. فالصور في الديوان ليست مجرد أدوات وصفية، بل هي وسيلة لاستكشاف العوالم الداخلية للشاعر والتعبير عن حالات شعورية مركبة.
يمكن ملاحظة أن الشاعر يوظف مجموعة من الرموز الأساسية التي تتكرر عبر النصوص، مثل المرآة، الظل، الليل، النافذة، والماء. تعكس هذه الرموز دلالات متباينة لكنها متشابكة في الوقت ذاته، حيث نجد أن المرآة ترمز إلى استبطان الذات، بينما يرمز الظل إلى الوجود المزدوج بين الحضور والغياب. أما الليل فيظهر كفضاء تتقاطع فيه المشاعر الإنسانية بين الوحدة والخوف والحنين.
يستخدم الشاعر تقنية الانزياح اللغوي في بناء الصورة الشعرية، حيث تأتي الصور غير متوقعة أو تدمج بين عناصر متناقضة، مما يخلق مفارقة تعبيرية تزيد من كثافة الدلالة. على سبيل المثال، نجد صورًا تُجسد الزمن ككائن حي، أو تجسد الندم في هيئة مشهد بصري متحرك، ما يمنح النصوص ديناميكية فريدة.
كذلك، تتسم الصور في «فوات الأوان» بطابع بصري قوي، حيث يمكن للقارئ أن يستحضر المشاهد في ذهنه كما لو كانت مشاهد سينمائية. هذا الطابع السينمائي يظهر في قدرة الشاعر على تجزئة اللقطة الشعرية وتركيبها بطريقة تكشف عن تفاصيل دقيقة تساهم في بناء المشهد الشعري. على سبيل المثال، يتم تصوير الذكريات كما لو أنها تُعرض عبر شاشة قديمة، حيث تتداخل المشاهد وتتلاشى في لحظات معينة، مما يعكس طبيعة الذاكرة البشرية المتقطعة وغير المستقرة.
إضافةً إلى ذلك، يتلاعب الشاعر بالألوان داخل الديوان، إذ نجد هيمنة واضحة للألوان الداكنة، مثل الأسود والرمادي، في إشارة إلى الحزن والانطفاء، بينما تأتي ألوان أخرى مثل الأحمر لتعكس لحظات التوتر أو الشغف العاطفي. هذا الاستخدام الدقيق للألوان يعزز البعد الوجداني للنصوص، حيث تصبح الألوان انعكاسًا للمشاعر وليس مجرد عناصر وصفية.
***
أما من حيث البناء الرمزي، فإن «فوات الأوان» يتجاوز المعاني السطحية للأشياء، ليعيد تشكيلها ضمن سياقات جديدة تُعيد تعريف المفاهيم التقليدية. فالنافذة، على سبيل المثال، لا تمثل مجرد منفذ إلى العالم الخارجي، بل تصبح رمزًا للتردد والانتظار والتأمل. والماء، الذي يُستخدم تقليديًا للدلالة على الصفاء، يأتي في الديوان كعنصر متغير، فهو في بعض النصوص رمز للغرق والفقدان، وفي نصوص أخرى رمز للتطهير والتجدد.
يتضح إذن أن الصور والرموز في «فوات الأوان» ليست مجرد عناصر زخرفية، بل هي جوهر التجربة الشعرية نفسها. فمن خلال إعادة تشكيل الواقع بصريًا ولغويًا، يفتح الشاعر أفقًا جديدًا للمعنى، حيث يصبح القارئ شريكًا في إنتاج الدلالة وليس مجرد متلقٍ لها. وهكذا، يشكل البناء الصوري والرمزي في الديوان جزءًا من استراتيجيته الفنية التي تسعى إلى تجاوز المباشرة والانفتاح على احتمالات لا نهائية من التأويل. يعكس «فوات الأوان» ملامح القصيدة التي تسعى إلى كسر الأشكال التقليدية والانفتاح على أساليب تعبيرية جديدة. يمكن وضع هذا الديوان ضمن سياق تيارات الشعر العربي الحديث التي تتراوح بين قصيدة النثر والتجريب اللغوي، حيث يحاول الشاعر إعادة تعريف العلاقة بين اللغة والشعور، وبين التجربة الذاتية والعالم المحيط.
إضافةً إلى ذلك، يعكس الديوان استجابة حساسة للتحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها العالم العربي، حيث نلمس من خلال النصوص حضورًا للقلق الوجودي المرتبط بالحروب، الفقد، والتحولات السياسية. الشاعر لا يقدم موقفًا سياسيًا مباشرًا، لكنه يعيد إنتاج هذه القضايا ضمن سياقات شعرية تتسم بالرمزية والانزياح اللغوي، ما يجعل النصوص تحتمل قراءات متعددة.
***
يشكل «فوات الأوان» تجربة شعرية متفردة واستنثنائية، تتداخل فيها الأسئلة الفلسفية حول الزمن والوجود مع الحساسية العاطفية العميقة التي تعكس تجربة ذاتية موغلة في التأمل. لقد سعى الشاعر من خلال هذا العمل إلى خلق عالم شعري متفرد، يزاوج بين الحداثة والأسئلة الإنسانية الخالدة، حيث يصبح الشعر هنا وسيلة لاختبار الحدود بين الماضي والحاضر، بين الحنين والواقع، وبين الحقيقة والوهم.
إن القراءة المتعمقة للنصوص تكشف عن محاولات دؤوبة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والوقت، حيث لا يبدو الزمن خطيًا بقدر ما يتحول إلى مساحة مفتوحة تتقاطع فيها الذكريات والأحلام والتجارب الماضية. هذه الرؤية تقدم بديلًا للمنظور التقليدي الذي يرى الزمن كمجرى متتابع لا رجعة فيه، إذ يطرح الديوان تصورًا أكثر ذاتية للزمن، بوصفه كيانًا يتشكل من التجربة الداخلية للشاعر والقارئ على حد سواء.
ومن حيث موقع الديوان في المشهد الشعري، يمكن اعتباره امتدادًا لتجارب قصيدة النثر العربية، لكنه في الوقت ذاته يحمل صوته الخاص الذي يجعله متمايزًا عن غيره من الأعمال الشعرية الأخرى. فهو لا يقتصر على التعبير عن الذات بمعزل عن العالم، بل يعيد إنتاج العلاقة بين الفرد والوجود بطريقة تتجاوز المباشرة، لتلامس العمق الإنساني.
إن الديوان لا يقدم إجابات حاسمة، ولا يسعى إلى بناء خطاب شعري نهائي، بل يظل نصًا مفتوحًا على التأمل وإعادة الاكتشاف مع كل قراءة جديدة. وهذا ما يجعله إضافة حقيقية إلى المشهد الشعري العربي، حيث يتجاوز كونه مجرد مجموعة من النصوص الشعرية، ليصبح تجربة جمالية تدفع القارئ إلى إعادة النظر في مفاهيم الزمن، الفقد، والتجربة الإنسانية بأسرها.
اقرأ أيضا:
محمد هاني يكتب: لعبة الزمن في ديوان «حين أردت أن أنقذ العالم»