تدمير الحدائق العامة وإهدار التراث.. لماذا يدفع المصريون ثمن التطوير العشوائي؟

يبدو أن مشاهد احتفال المصريين بالأعياد والمناسبات داخل الحدائق العامة قد اختفت خلال السنوات الأخيرة، إذ تبدلت الظاهرة التي ارتبطت بثقافة أغلب المصريين لصالح ثقافة الخروج نحو المولات، والبقاء داخل الجدران المغلقة. هذه الثقافة جرى فرضها على المصريين مؤخرًا بسبب غلق أغلب المتنزهات والحدائق العامة بدعوى «التطوير».
المصطلح الذي يرفضه أغلب المتخصصين والمهتمين بالتراث، صار بمرور الوقت مرادفًا للتدمير والتشويه. نتيجة للتجارب التي حلت على العشرات من الحدائق العامة بعد “تطويرها”. لعل أبرز هذه التجارب هو التطوير الذي جرى لحديقة المنتزه التاريخية بالإسكندرية والميرلاند بحي مصر الجديدة.
الحديقة الأخيرة التي انتزعت منها مئات الأشجار القديمة واستبدلت بفراغات لاستعمالها كمطاعم وكافيهات لخدمة الزوار، أصبحت بمرور الوقت كغيرها من الحدائق العامة عبئا على الفقراء بعد فرض رسم دخول باهظة بلغت40 جنيهًا للفرد الواحد خلال فترة الأعياد ونهايات الأسبوع. وهو المبلغ الذي حرم المئات من الأسر المصرية من الدخول للحديقة، والاكتفاء بالجلوس على أطراف سورها الخارجي. فضلًا عن منع القائمين على الحديقة أي محاولة لدخول الطعام من الخارج في محاولة لإجبار زوار على الشراء من داخلها.
آخر ضحايا التطوير المنتظر هي حديقة الحيوان والأورمان بالجيزة والمسلة بالزمالك، وهي الحدائق التي أغلقت خلال الأشهر والسنوات الماضية لحين الانتهاء من تطويرها. على الجانب الآخر، طرح المهتمون بالتراث العديد من الأسئلة حول الطريقة التي سيتم التعامل بها مع الحدائق التاريخية، وهي الأسئلة التي لم يتلقوا أي رد بشأنها حتى الآن، إذ تم الاكتفاء بالصمت من جانب الجهات المشرفة على «التطوير» مع تكرار الوعود «إن كل حاجة هتكون تمام!».
هنا نتحدث مع مجموعة من المتخصصين والأكاديميين حول رؤيتهم لما يحدث للحدائق التراثية والتاريخية، ونتعرف منهم على الحلول التي يمكن اتباعها للتعامل مع الوضع الراهن، ونكتشف معهم خطورة الاستمرار في النهج القائم في التعامل مع الحدائق التاريخية.
محمد الكحلاوي أستاذ الآثار الإسلامية وعضو المجلس الأعلى للتخطيط التابع لمجلس الوزراء ورئيس اتحاد الآثاريين العرب، فجر مفاجأة حول ما يحدث داخل الحدائق التراثية. وقال: “ما يحدث كارثة. حاليًا يتم تغيير معالم حديقة المسلة بالزمالك، إذ يجري استبدال المساحات الخضراء بمحلات تجارية وأكشاك يصل عددها لحوالي 50! وقد عرض مشروع تطوير الحديقة على اللجنة العليا للتخطيط بعد أكثر من 5 أشهر من العمل داخلها! ورفضنا المشروع المقترح بشكل كامل”.
تجاهل القرارات
ويكمل «الكحلاوي»: قبل ثلاثة أعوام، تحدث رئيس مجلس الوزراء عقب أزمة حديقة الأسماك وقال إن مقترحات تطوير الحدائق التراثية لابد من إقرارها والموافقة عليها من جانب المجلس الأعلى للتخطيط، لكن على أرض الواقع، لم تؤخذ مقترحات المجلس. أما بالنسبة لمشروع حديقة الحيوان، فقد رفضناه أيضًا، وللأسف سيتم اقتلاع أشجار لتوفير مساحات. «لن تدخل حديقة مرة أخرى بخمسة جنيهات أو جنيهين كما توعدنا في الماضي. سترتفع أسعار الدخول لتصل لـ50 جنيهًا! مصر الآن تتغير، ولا علاقة بين دخل الفرد وأسعار الخدمات المقدمة للمواطن».
ويستطرد: “هناك بند في عقد تطوير حديقة الحيوان يقول إنه ليس من حق وزارة الآثار أو الزراعة أن يتدخلا في إبداء أي ملاحظات أو تغييرات خلال عمليات التطوير”. سألنا “الكحلاوي”: ومن إذن الجهة المراقبة التي يمكن أن تراقب ما يجري في المشروع؟ أجاب: “ربنا”.

غياب الأولويات
ويكمل الكحلاوي: “العالم الآن يتوسع في فكرة تنفيذ المسطحات الخضراء، لكننا في المقابل نعطي الأولوية لأكشاك الطعام والمطاعم والكافيهات. انظر لما يحدث الآن على ضفتي نهر النيل ومنطقة الزمالك، فقد جرى إزالة نادي أعضاء هيئة التدريس، ونادي النيابات. أما بالنسبة للتعامل مع الحدائق فكان لابد من الرجوع إلى مهندسين متخصصين. لكن المشكلة هي أنه يتم التعامل مع الحدائق باعتبارها مصدرًا للاستثمار، وهذا خطأ فادح قادنا إلى هذه الكوارث. فقد تم الاستعانة، مثلًا، برأينا في المجلس الأعلى للتخطيط، وقد أصبنا وأعطينا رأينا، ولكن تم تجاهل القرارات التي قررها المجلس. ومنها مثلًا رفضنا لهدم المقابر، أو إقامة مشروعات عملاقة داخل القاهرة التاريخية.
طرحنا سؤالًا آخر على مجموعة من المتخصصين: كيف يمكن الحفاظ على الحدائق التراثية الموجودة داخل القاهرة ومنهجية التعامل معها؟
علي عبدالرءوف الناقد العمراني والأستاذ بجامعة حمد بن خليفة يرى أن النسيج العمراني الموجود داخل مصر من أكثر الأنسجة العمرانية في العالم التي تفتقد للمسطحات الحدائقية الخضراء. يقول: «تصل متوسط عدد الأمتار من المساحات الخضراء لكل فرد عالميًا بين 12إلى 15 مترا مربعا، لكن هذه النسبة لا تتجاوز النصف متر مربع في حالة القاهرة».
تحول نوعي
ويكمل عبدالرءوف: يضاف لهذه الإشكالية أن مصر تملك مجموعة من الحدائق – التي لا أريد أن أسميها تراثية – ولكن بها عمق تاريخي وسرديات ملهمة في وجدان أجيال متعاقبة من الشعب المصري. هذا يعني أن منهج التعامل مع الحدائق يجب أن يبدأ وبسرعة جوهرية مع فهم تاريخ هذه الحدائق. كيف أنشئت الحديقة؟ ما هي الملامح التاريخية لها؟ ما هي العلاقات التبادلية على مر الزمن بين الحديقة والعمران المحيط بها؟ وما طبيعة التوافق والتداخل مع المجتمع المحيط؟
ويقول «علي» إن معظم مدن العالم تضع معايير وأسسا تضمن من خلالها إعادة التأهيل والتطوير والاستخدام الأمثل للحدائق ذات القيمة التاريخية. ويأتي على رأس المعايير والأسس أن العالم يشهد تحولا نوعيا في معنى الحديقة. إذ ينظر إليها كحيز تفاعلي؛ لذلك فإعادة التأهيل للحدائق يعني أنه من الضروري السماح للفضاء الأخضر أن يحقق رغبات المجتمع من تنزه وقضاء أوقات المتعة، بجانب إسعاد الطبقات المختلفة من المجتمع، وألا يقتصر الأمر على الطبقات الغنية. بل وأصبحت الحدائق الآن هي المعيار الحاكم لفكرة المدينة النشطة والصحية والمرحبة بكل المجتمع.
هذه المدينة يوجد داخلها العديد من الفضاءات العامة والخضراء والمفتوحة، وهي تحفز أفراد المجتمع على الحركة، والمشي، وممارسة الرياضة، والتفاعل الاجتماعي، والاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية، وكل هذه العوامل أصبحت شديدة الأهمية في تصنيف المدينة الصحية النشطة الملهمة المحفزة على الحياة.
لحظة معاصرة
يرى عبدالرءوف ضرورة التأمل في الحالات الخاصة لتلك الحدائق. يضرب بذلك مثالًا حديقة الأسماك، والأزبكية. يقول: «يجب أن ننتبه أنه لظروف متعددة – قد يكون الإهمال أو الظروف الاقتصادية- فقد فقدت هذه الحدائق تدريجيًا مثل حديقة الأسماك التي يجب أن يتم الحفاظ عليها، ولكن بما يمكن أن يعبر عنه بمدخل الحفاظ المعاصر. بمعنى أن نفهم كيف أنشئت الحديقة ولماذا سميت بهذا الاسم؟ والأهم أن تخاطب الحديقة عندما يتم تجديدها اللحظة المعاصرة، وأن تخاطب احتياجات المجتمع. وهو الأمر الذي ينطبق أيضًا على حديقة الأزبكية التي كانت رئة خضراء في أرقى منطقة داخل القاهرة، وهي وسط المدينة النابض بالحياة.
ويضيف: حديقة الأزبكية لم تشتهر فقط كونها حديقة تحتفظ بمسطحات خضراء منسقة ومنمقة، ولكنها استوعبت داخلها أحداثا فنية وموسيقية عبرَّ فيها المبدعون عن أفكارهم. كما أن حواف الحديقة تحولت تدريجيًا وبمرور الوقت إلى مكان لبيع الكتب بصورة أقرب لحالة المجتمع البسيط والشباب؛ وبالتالي لعبت الحديقة دورًا مهمًا وثلاثي الأبعاد؛ أي كفضاء أخضر مفتوح، ومكان قادر على استيعاب الإبداع والفعاليات الموسيقية والاحتفاليات، بجانب الدور الثقافي المعرفي الذي كان يجري على حواف الحديقة من خلال بيع الكتب.
استيعاب الوضع القديم
يعتبر عبدالرءوف أنه من المهم على فريق التصميم إدراك تلك الأبعاد. «يجب فهم الحديقة واستيعاب وضعها القديم، وما فعلته للأجيال قديمًا وما يمكن إعادة صياغته في عملية المعاصرة للتطوير والتحسين. مع ضرورة إعطاء أبعاد لها تربطنا بتاريخها القديم، وشخصيتها وطابعها. هذا بجانب تقديم أطروحات تصميمية معاصرة تلائم إيقاع الشباب والمجتمع الحالي ومتطلباته».
ويضرب مثالًا بالتجارب الناجحة التي يمكن الاستفادة منها. «هناك تجربة مهمة خاصة بإعادة إحياء حديقة الحوض المرصود بحي السيدة زينب، والتي قدم من خلالها المعماري المصري الراحل عبد الحليم إبراهيم فهمًا عميقًا لقيمة الحديقة التاريخية التي أهملت وتضررت. ولكن ما زال بها ملامح الفضاء المفتوح، وما زال بها ملامح للبستان القديم وأشجار النخيل.
كما أنها تستمد قيمتها من وجودها داخل سياق عمراني عبقري في حي السيدة زينب، وخاصة مع إحاطتها بالمساكن والوكالات والأسبلة والمساجد البديعة المحيطة. وقد انتبه “عبد الحليم” لهذه الأبعاد وقدم تطويرًا للحديقة يتناغم مع قيمتها التاريخية والمجتمعية والتراثية، كما استجاب لحتمية إضافة مساهمات إبداعية جديدة وبرنامج وظائف متميز يجذب الأطفال والعائلات والمجتمع.

إدارة التطوير
وعن عمليات إدارة التطوير عالميًا، أشار إلى أنه في معظم دول العالم هناك إيمان قوي بقيمة الحدائق؛ ولذلك أصبح داخل الكثير من الأجهزة التنظيمية المسؤولة عن أعمال التطوير والتخطيط العمراني، قسم خاص يسمى بـ”إدارة الحدائق العامة”، والذي يتضمن جزءا يتولى الإدارة والصيانة للحديقة، وجزءا آخر به مجموعة من المصممين الذين يتفاعلون مع التصميمات التي تجعل الحدائق تستجيب للتوجهات الجديدة والمعاصرة في عملية تصميم الحدائق. وقال: «كمتخصص، أتعامل بصورة نقدية مع القضايا المعمارية والعمرانية والتخطيطية. وأنا مهتم بقيمة مفهوم التطوير لأنني أحيانًا أجد أن مشروعا معينا أو توجها معينا يدعي أنه تطوير، بينما هو يعطي النقيض تمامًا».
صوت المجتمع
ويكمل: “مفهوم التطوير يجب أن يرتبط أولا وبصورة جوهرية بقراءة عميقة للمكان، حتى نفهم ما هي سردية المكان؟ وقيمته؟ وما نوع المجتمع المحيط بالمكان؟ وما هي أولويات واحتياجات المجتمع؟” ولذلك، عندما نطرح بدائل وأفكارا، يمكن وصفها بأنها عمليات تطوير. كما يجب أن يكون هناك تطمينات بأن التطوير لا ينفصل عن قيمة المكان وسردياته المجتمعية والتراثية والتاريخية.
ولا يجب أن ينفصل عن رغبات المجتمع ونمط حياته وأولوياته وتطلعاته؛ لذلك أصبح التطوير العمراني والمعماري في العالم عملية تشاركية. وقد انتهت حقبة القرار الفوقي الذي يجب أن يخضع له المجتمع والمدينة. انتهت حقبة أن يستيقظ المجتمع والمدينة على خبر الإعلان عن مشروع تطوير معين أو اتخاذ قرارات لعمل صياغة جديدة لمنطقة ما. فقد أصبح هناك تركيز شديد على فهم متطلبات المجتمع والاستماع إلى صوته.
ديمقراطية العمران
وينهي حديثه قائلا: “المدن المصرية بصفة عامة، والقاهرة تحديدًا، تعاني من إجهاض فكرة الفضاءات والفراغات العامة، وخاصة الخضراء منها. بجانب ضرورة إحداث تغيير نوعي يرتكز على أن الفضاءات العامة مطلب مجتمعي حيوي له علاقة بالصحة النفسية والجسدية والمجتمعية. مع ضرورة أن يكون هناك انتباه إلى الفارق الكبير بين طبقات مجتمعية تستطيع الذهاب إلى الأندية الخاصة، والمنتجعات والكورنيشات الخاصة بها. وطبقات اجتماعية لا يوجد أمامها سوى قنوات الفضاءات العامة للتمتع بالحياة عبر الفراغات التي تتيحها الدولة وتتيحها المدينة.
ولذلك، في كل مدن العالم، فإن المعيار الأكبر للحكم على ما أسميه «ديمقراطية العمران» هو أن يصبح الإنسان العادي قادرًا على التمتع بالحدائق والفضاءات المفتوحة دون أن يدفع، وأن يكون المواطن قادرًا أيضًا على الاستمتاع مع أسرته في حديقة أو ممشى مفتوح على نهر أو بحر. وهذه المقومات البيئية يجب أن تكون متاحة للمدينة دون أن تستهلك من قدراته المالية. هذا يعني أن المدينة تخاطب الإنسان، وهي تعطي الأولوية للفقير والمهمش كي يتمتع بمدينته وحدائقها ومقوماتها البيئية الطبيعية.
لذلك، ما نتطلع إليه في المدن المصرية، وخاصة القاهرة، هو أن يكون هناك تحول من التركيز على خصخصة الفضاءات العامة والخضراء إلى عمومية هذه الفضاءات، وأن تصبح كما ينبغي أن يكون، فضاءات وفراغات عامة وخضراء، هدفها إسعاد كل الشعب وقطاعات المجتمع.
الاستجابة لسياسات العرض والطلب
اتفق الخبير العمراني عمرو عصام ما ذكره عليّ عبدالرءوف بشأن ندرة المساحات الخضراء داخل القاهرة وضرورة توفرها خلال الفترة المقبلة. يقول: “بالنسبة للحدائق التراثية، وبعيدًا عن القيم التراثية والتاريخية الهامة، فهي تعد رئة داخل المناطق السكنية المكتظة. فإقليم القاهرة الكبرى يعاني بالفعل من نقص حاد بالنسبة في متوسط نصيب الفرد من المسطحات الخضراء.
وقد يصل متوسط نصيب الفرد في بعض المناطق داخل القاهرة والجيزة لأقل من 15 سم! لذلك، فالحدائق لها وظيفة بيئية باعتبارها رئة داخل المدن، وهي بمثابة مصانع أكسجين للمدينة. أما بالنسبة للحدائق المتخصصة كالأسماك والأورمان وحديقة الحيوان وغيرها. فهي حدائق نوعية ولا يوجد لهم بديل داخل مصر بسبب خصوصيتها وتفردها”.
ويكمل: “السياق الثاني الذي يجب فهمه هو أن المدن بشكل عام متغيرة، واستعمالاتها وأنشطتها ووظائفها دائمًا ما تتغير. والمدينة الناجحة والمستدامة يجب أن تستجيب لهذه المتغيرات بنوع من التوازن. ومن الطبيعي أن تتغير الأنشطة، لكن من الضروري هنا التفرقة بين المدينة من منظور القطاع الخاص والمدينة من منظور الدولة. فالقطاع الخاص يغلب عليه دائمًا قوانين العرض والطلب، والتغير في أنماط الاستهلاك لدى الأفراد، لذلك فالتحولات التي يقوم بها القطاع الخاص دائمًا تستهدف الاستجابة لسياسات العرض والطلب؛ وبالتالي، الأنشطة المصاحبة يكون الهدف منها الاستجابة لمثل هذه الأمور”.
تكاليف باهظة
يرى «عصام» أنه من الضروري التزام القطاع الخاص بفكرة المسؤولية الاجتماعية، لكنه في المقابل يشير إلى أن الدول والحكومات دائمًا ما تعمل وفقًا لسياق مختلف تمامًا عن القطاع الخاص، إذ يكون لديها متطلبات أعقد من مجرد مفهوم العرض والطلب. «الحكومة مش المفروض تستبدل المساحات الخضراء بمساحات تجارية لأن العرض والطلب اتغير! الحكومة لديها تكاليف صحية جبارة تقوم بدفعها كل عام. فوجود الحدائق أمر مهم وهو يقلل من هذه التكاليف، ووجودها ليست رفاهية.
لأننا لو توقفنا عن الاهتمام بالحدائق، سندفع تكاليف صحية أكبر، خصوصًا تلك المتعلقة بالأمراض الصدرية، كالربو والأمراض الناتجة عن تلوث الهواء؛ وبالتالي يجب على الدولة ومنظومة المؤسسات الرسمية التفكير في عواقب الأمور. لأننا بذلك سندفع أموالا ضخمة لمعالجة آثار هذه القضايا. الحل ليس في تخصيص الأراضي أو المسطحات الخضراء لصالح إقامة مول أو جراج! بل يجب النظر في عواقب ما ندفعه من ضريبة على هذه الأخطاء التي يتم ارتكابها. ففي عام 2019 دفعنا فاتورة تقترب من الـ48 مليار جنيه نتيجة تلك الكوارث. وهذا الرقم تضاعف بالطبع الآن”.
أسباب هيكلية وتحولات راديكالية
يشرح عمرو عصام الوضع بشكل أوضح ويتساءل: “لو قمنا بإزالة الحدائق، فما هي التكلفة التي سندفعها لعلاج تلوث الهواء؟ وإذا توسعنا في إنشاء الحدائق، فما هي التكلفة التي سنقوم بتخفيضها نتيجة ذلك؟ هنا يجب أن نفهم أن القطاع الخاص دائمًا يبحث عن الفرص والمنفعة المباشرة. ودور الدولة هنا هو تحقيق موازنة بين القطاع الخاص وبين مصلحة سكان المدينة مع ضرورة الانحياز للسكان.
السيناريو الثاني هو أن الدولة لا يجب أن تتدخل في مثل هذه المشروعات ولا تقودها من الأساس، لأنها ينبغي أن تكون لديها رؤية وإدراك للاعتبارات البيئية، ولا يجب أن تعمل الدولة في معزل عبر أجهزة استثمارية لا تدرك مثل هذه الاعتبارات؛ لذلك أرى أن أي تحول داخل المدينة يجب أن يكون بشكل حساس للغاية، وليس راديكاليا وعنيفا”.
أخيرًا، يرى «عمرو» أن مشكلات الحدائق ترجع في الأساس لأسباب هيكلية ومؤسسية وإدارية كبيرة جدًا. «المشاكل سببها خضوع الحدائق للوائح حكومية عقيمة؛ لذلك من وجهة نظري، أعتبر أن هذه الحدائق لديها فرص كبيرة جدًا، لكن مشكلتها الأساسية هي الإدارة. أيضًا لابد من إشراك المجتمع المدني – المقيد حاليًا – لأن المجتمع المدني دائمًا ما يطرح حلولًا يمكن من خلالها مساعدة الحكومة في مثل هذه القرارات».
خصخصة الفراغ العام
نزار الصياد أستاذ التخطيط العمراني بجامعة كاليفورنيا بيركلي، اعتبر أن الفراغات العامة داخل مصر دائمًا ما يتم التعامل معها بشكل خاطئ. يقول: «نحن الآن ننتهج نهجًا مبنيًا على تسوير الفراغات العامة واستغلالها من خلال تحويل الكثير منها لأكشاك طعام، مثلما حدث للفراغ العام الموجود أمام قصر عابدين، الذي جرى تسويره وتحويله لأكشاك طعام مثل “كبدة الفلاح”، بجانب فرض رسوم دخول للساحة، وهذا حول تمامًا فكرة الفراغ العام إلى فراغ خاص».
ويضيف: “الحدائق والمتنزهات العامة وظيفتها الأساسية خلق متنفس للناس، لكن عند تطويرها ورفع كفاءتها يجب الوضع في الاعتبار الحفاظ على وظيفتها الأصلية. وهذا ينطبق على الحدائق التاريخية. مثلًا، وظيفة حديقة الحيوان مثلًا منذ نشأتها هي تربية كافة أنواع الحيوانات داخلها، وبمرور الوقت أصبحت تؤدي نفس الوظيفة، ولكن استخدمها الفقراء كفراغ عام يلجأون إليه في وقت الأعياد والمناسبات”.
واتفق “نزار” مع ما طرحه الخبراء بشأن خصخصة الفراغ العام. يقول عنه: «الآن إحنا عايشين في وقت أصبحت فيه الدولة تخصص الفراغات العامة وتكسب منها فلوس، وأصبح المواطن غير قادر حتى على الجلوس على النيل الذي تحول أيضًا لفراغ خاص بسبب كثرة الكافيهات والأندية الموجودة على ضفتيه – في مخالفة للقانون – أما لو عايز تشوف النيل، هتضطر أيضًا إنك تدفع علشان تخش تتمشى على ممشى “أهل مصر”! والحل الأخير أمام المواطن هو تأجير الكراسي على كوبري قصر النيل؛ لذلك أرى أن فكرة الانبساط وإتاحتها للمواطن صارت غير موجودة».
التوافق مع الحالة المعاصرة
يرى نزار أنه على الحكومة أن تدرك أن الحدائق لها أهمية نفسية ونفعية للشعب. ولا يجب أن يضطر الشعب لإنفاق المال للسماح لهم بالدخول إلى زيارة الحدائق العامة. «في النهاية، وحتى لو دفع الناس وحطينا جواه كافيهات، فالمكان مش هيتم صيانته لأن ده مبيحصلش، والمستثمر كل هدفه هو جمع المال وليس الصيانة». كما يعتبر أن التعامل مع الحدائق التراثية ينبغي أن يكون وفقًا لسياق دقيق، إذ يعتبر أنه من الضروري التعامل مع كل حديقة على حدة وبصورة منفصلة لفهم السياق الخاص بها. فكل حديقة تاريخية وتراثية كان لها هدف معين من إنشائها، لذلك يجب دراستها بشكل دقيق عند البدء في رفع كفاءتها بما يتوافق مع الحالة المعاصرة. وفي بعض الأحيان نحتاج لتثبيت شكل الحديقة للاحتفاء بشكلها القديم. لذلك، من الضروري أن يكون هناك وعي حكومي، وليس شرطًا أن يقترن التنزه بموجود نشاط اقتصادي ربحي.

تخطيط صحيح
يرى الصياد أن أحد أنجح الأمثلة في إدارة الحدائق هي حديقة الأزهر. يقول عنها: “من الممكن أن نأخذها كمثال، فقد جرى إعطاء أولوية للمسطحات الخضراء تفوق أي نشاط آخر. مثلًا، تم تخصيص أماكن المطاعم في أقصى الشرق والغرب، وبينهما فراغ واسع تحيط به الأشجار والمياه. وقد نجح بالفعل نموذج الحديقة لأنه تم تخطيطها بشكل صحيح. وأصبحت بمرور الوقت تخدم طبقات متعددة من الناس. فهي تخدم الأغنياء الذين يرتادون على المطاعم، وتخدم أيضًا الطبقة الوسطى من ميسوري الحال. وتخدم أيضًا طبقات اجتماعية أقل حالًا؛ أي الذين يدخرون أموالهم لزيارتها من فترة لأخرى. لذلك، استطاع نموذج الحديقة خدمة ثلاث فئات اقتصادية”.
ويضيف: “أما الآن فقد تم للأسف إهمال الحدائق، ونحن نتجه حاليا نحو الخصخصة. وهذه الفكرة فشلت في العالم كله، والعالم أصبح يتخلى عنها لأن الفلوس بتروح لصحابها فقط. ولكن، كما ذكرت، «مش بتدر ربح يضمن صيانة للموقع» فالهدف من الحديقة هو تحقيق النفع العام.”
تدمير أم تطوير؟
أخيرًا، سألناه: لماذا ينبهر الناس بالحدائق والمناطق التاريخية بعد تطويرها أو هدمها. ولماذا انفصم الشعب عن المتخصصين الذين يعتبرون أن ما يجري داخل مدينة القاهرة وحدائقها تدميرًا وليس تطويرًا؟ وأجاب: “السبب أن فيه ناس متعرفش. فيه ناس عندها جهل بما كان، وبتاريخ المكان، لذلك فوجهة نظرهم والطريقة التي يفكرون بها قاصرة ومنقوصة لأنها مبنية على جهل حقيقي.
وهذا التقييم مبني على ما يروج له الإعلام، وهو تقييم يجهل قيمة ما كنا نملكه أصلًا. ويجهل تاريخ الموقع الذي جرى بناؤه منذ ما يقرب من ألف عام، وهذا ينطبق تحديدًا على منطقة عرب آل يسار بالقلعة. وهذا الرأي الذي ينظر للتطوير بعين الفخر لا يمثل الذوق العام. فالانفصام بين المتخصصين والشعب أمر مستمر دائمًا في كافة المجالات. ولا يجب أصلًا أن نتوقع أن يكون الشعب قادرا على تقييم المواقع تاريخيا وأثريا، لأن تقييمه قاصر ولا يمكن أبدًا اعتباره «ذوق عام». الذوق العام لا يأتي من الشعب بل من المثقفين الذين يطلقون أفكارا يتقبلها الشعب في نهاية المطاف”.
اقرأ أيضا:
حتى لا تتكرر مأساة مقابر القاهرة: «حنكوراب».. هل يواجه تراثنا البيئي أزمة؟