رحيل «رباب نمر»: فنانة لا تتبع آلية السوق

رحلت عن عالمنا الفنانة التشكيلية الكبيرة، الدكتورة «رباب نمر»، عن عمر يناهز 86 عامًا، بعد رحلة فنية استمرت لأكثر من ستة عقود. طوال هذه المسيرة، اختارت الفن وسيلة للتعبير عن القيم الإنسانية والإبداعية، مستخدمة رموزا أساسية أبرزها الشخوص الإنسانية. كما جسدت في لوحاتها علاقتها الفريدة مع زوجها،الفنان الدكتور مصطفى عبدالمعطي، في مشاهد فنية مؤثرة.
رسوم ناطقة نحتية
تخرجت الفنانة الكبيرة رباب نمر من كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية. إذ درست في قسم الديكور عام 1963، وهي الدفعة الثانية بالكلية. وكانت أول دفعة قد تخرجت في عام 1962، ومن بينهم زوجها الفنان الدكتور مصطفى عبدالمعطي.
تحدث الفنان التشكيلي والناقد الفني الدكتور محمد كمال عن مسيرة الراحلة رباب نمر، الحاصلة على درجة الأستاذية في الفنون من أكاديمية سان فرناندو في جامعة مدريد بإسبانيا عام 1977. وقال لـ«باب مصر»: “خلال دراستها بالكلية، بدأ أسلوبها يتأسس رويدا. وأهم ما في أسلوبها أنها رسامة كبيرة تجيد فن الرسم، ولكنها ليست الميزة الوحيدة، فمن أفضل ميزاتها في فن الرسم أنها تنحت بفن الرسم، والشخوص الخاصة بها تبدو كأن بها نحتا جرانيتيا”.
وتابع: “رسوم رباب نمر ناطقة نحتية، وتستطيع التعامل مع السطح الورقي باستخدام أقلام الرابيدو وبعض الأكاسيد الملونة بصبر شديد. كما أجادت فن الرسم الملون، وليس الأبيض والأسود فقط، وهي من الفنانين المعدودين جدا في تاريخ مصر الذين يجيدون الرسم بهذه الآلية مثل جميل شفيق وآخرين”.
وهج الشرق
في دراسته النقدية «وهج الشرق»، التي قدمها الناقد مكرم حنين، كتب الدكتور محمد كمال عن الفنانة رباب نمر: “طالما كان الصدق يحلق فوق حالة الفنان الإبداعية. فإن منتجه يظل منسجماً، حتى لو كانت عناصر التناول واسعة الاختلاف. ورباب نمر قدمت تجربة مميزة للطبيعة الصامتة من زجاجات وأوان بنفس تقنية الرسم بالقلم الرابيدو. عبر آلية تهشيرية لم تهمل كساء عناصرها بنفس روح العناصر الحية، وبذات القيم الإنسانية في الأعمال الأخرى”.
وتابع في كتابه: “استطاعت رباب من خلال هذه المفردات البسيطة أن تظهر التضاد بين قيمتي العقم في الأواني الجدباء والخصوبة في الأواني المورقة. وهو امتداد للتناقض الذي يخدم روح التعبير في كل أركان تجربتها”.
واستكمل: “ما ساعد رباب نمر على توصيل كل هذه المشاعر الذاتية والنفسية هو تقنيتها المختزلة البعيدة عن الإبهار اللوني. حيث استخدمت “التهشير” كإحدى تقنيات الرسم المتعددة بقدرة فائقة وخبرة تراكمية. وقد برعت أثناء مباشرتها التعامل مع الطبيعة الصامتة في استغلال المساحات العذرية البيضاء من السطح الورقي كمصدر للإضاءة على أطراف العناصر. لتصبح أساسية في النسيج العام للعمل. عبر التباين الحاد مع اللون الأسود دون نقلات تدريجية بطيئة، بما جعل الإيقاع البصري خاطفاً ومدهشا”.
فن لا يتبع السوق
«فنانة لا تتبع آلية السوق»، هكذا استكمل وصف الفنانة رباب نمر. وأضاف: “أنها تتبع آلية الإبداع أكثر، وهي لا ترسم حتى تبيع لوحاتها، رغم أنها تُقدَر بسعر مرتفع لأنها فنانة كبيرة، ولكن الإبداع هو مقصدها الأول”.
وتستطيع التعامل مع الشخوص الإنسانية وكائنات أخرى، مثل القطط المنتشرة جدا في لوحاتها، كذلك أوراق الشجر. ولوحاتها مروية بالخصوبة والنماء، رغم أنها سيدة شديدة الرقة من خلال معرفتي الشخصية بها، وشديدة القوة في وقت واحد. وهذه القوة ظهرت في تكويناتها، كما قال.
وتطرق للحديث عن فترة عملها رئيسة للإدارة المركزية للفنون التشكيلية، ويصفها بأنها كانت حازمة في الإدارة. “كنا نتندر بقوتها في القيادة، وربما انطبع هذا الأمر على أدائها داخل مسطح الرسم والتصوير”.
مقاوِمة وثورية
أكد الدكتور محمد كمال أن أحد الجوانب الهامة في شخصية الفنانة رباب نمر هو أصولها الفلسطينية وتجربتها العميقة في فترة عدوان عام 1956. وأردف: “حملت رباب نمر في طيات إبداعها رسالة قومية عميقة. حيث تأثرت بتجاربها في فترة عدوان 1956. والتي شاركت خلالها في التمريض خلال فترة المقاومة، مما جعلها تعيش تلك الأوقات الصعبة بكل تفاصيلها”.
وقال: “هذا التأثير تجلى بوضوح في أعمالها التي كانت تنبض بالقوة والتحدي. عاشت رباب نمر حياتها ملتزمة بمبادئ وطنية. وظلت تعبر عن ذلك من خلال فنها طوال حياتها، وحملت في طياتها روح المقاومة والقوة”. كما أوضح أن رباب نمر تمثل بنت المشروع القومي والعربي. إذ إن إبداعها يتناغم مع شخصيتها التي تأثرت بهذا الرافد الثقافي الكبير.
وفيما يخص إبداع رباب نمر، وصفه كمال بأنه إبداع قومي بامتياز، موضحًا أن سفرها إلى روما كان مشابهًا لما قام به العديد من الفنانين الذين سافروا للحصول على بعثات علمية أو تعلم تقنيات جديدة. ومع ذلك، أشار إلى أن رباب نمر كانت دائمًا متصلة بجذورها المصرية. حيث كان وطنها هو المحور الأول والأخير في كل ما فعلته. وأعتبر أن الرباط الوطني الذي كانت تحمله تجاه مصر كان من الدرجة الأولى. وأن هذا الارتباط كان حاضراً بقوة في كل إبداعاتها.
مصطفى ورباب
العلاقة الملهمة بين د. مصطفى عبدالمعطي ود. رباب نمر، شهد عليها الكثير، من بينهم د. محمد كمال صاحب الصلة الوثيقة بهما، وحرص على الإشارة إليها في كتابه الصادر قبل أيام بعنوان “نفحات الضياء” عن مسيرة د. مصطفى عبدالمعطي. وخصص كمال فصلا بعنوان “مصطفى ورباب” يتناول فيه علاقتهما معا في الفن والحياة.
وقال د. محمد كمال لـ«باب مصر»: “علاقتهما ببعضهما البعض مؤثرة، عاشا حالة إبداعية إنسانية كزوجين في إطار علاقة شديدة الانسجام، وأرى علاقتهما نموذجا لكل من يود تعلم حسن اختيار الرفيق”. وبحكم صلته القوية بهما، تحدث عن علاقتهما. وأضاف: “العلاقة بينهما كانت قوية ومؤثرة، حيث كانا دائمًا يظهران معًا في العديد من المناسبات”.
واسترجع بداية علاقتهما معا، بينما كانت الدكتورة رباب تدرس في قسم الديكور واعتادت زيارة قسم التصوير بسبب الزمالة الأكاديمية بين الأقسام. ومن هنا نشأت علاقة الحب بينهما. مشيرا إلى أن الفنان الراحل محمد حامد عويس، أستاذهما الكبير، كان له دور كبير في إتمام هذه الزيجة.

وتابع د. محمد كمال أن العلاقة بينهما استمرت على مدى سنوات، وتمتاز بالاحترام والوقار. وظلت كذلك حتى آخر لحظة في حياة الدكتورة رباب، التي جسدت علاقتهما في الكثير من الأعمال، سواء في مجال الرسم أو التصوير في مشاهد مميزة.
وأضاف كمال أن قوة إبداعها قد تكون مستوحاة جزئياً من علاقتها مع الدكتور مصطفى عبدالمعطي، أحد أبناء المشروع القومي المصري، الذي زار السد العالي ورسم هناك، مما يعكس تأثيرات هذا المشروع على شخصيتها وفنها. وأوضح أن الطاقة المشتركة بين الدكتورة رباب نمر والدكتور مصطفى عبدالمعطي كانت مميزة للغاية. حيث جمعهما معًا شكل طاقة فنية استثنائية. “هذا الثنائي يمثل نموذجًا وقدوة لكل العاملين في حركة التشكيل المصري، ورباب نمر حافظت على ارتباطها العميق والمستمر مع الدكتور مصطفى وحبها المتبادل له حتى آخر لحظات حياتها”.
عِشرة عُمر
حرصا على توثيق حياتهما معا، في مصر وروما، في الأكاديمية والمرسم، أقاما معرضا مشتركا قبل أربع سنوات. جمعهما هذا المعرض في سبتمبر 2021، تحت عنوان “عِشرة عُمر”. وشهد العرض حينها حفل إطلاق الكتاب التوثيقي للفنانة رباب نمر. وعرض أعمال مُختارة من التصوير والنحت والرسم والحفر، وأخرى حديثة من إبداع الفنان وزوجته.
اقرأ أيضا:
التطوير يصل إلى وسط القاهرة: هل نقول وداعا للمدينة التي نعرفها؟