دموع فريد وشموع «غادة الكاميليا»: الحزن في السينما والحداثة

كانت غنائية فريد الأطرش توازي صعود العاطفية القومية وتغير قوانين الصعود الطبقي، وهو التغيير الاجتماعي الذي مهدت له ثورة 1952

ربتني أمي وأسرتها ولم أر والدي إلا مرات معدودات قبل وفاته. المهم أن صمت الأب أو الأب الغائب موضوع مؤسس في حياتي بسبب تجربتي الشخصية. مع أولادي كنت أباً حاضراً جدا -لدرجة تزعجهم- لكن كنت صامتاً على بعض المستويات، لا سيما فيما يخص المساحة التي تركت أمهما تحتلها. وبتعبيرات منغمسة في ثقافة السينما يمكن أن نقول: كنت أباً يتألم في صمت.

أظن أن اهتمامي بسينما الأبيض والأسود، سينما الميلودراما، من يوسف وهبي لفاتن حمامة لحسن الإمام هو نتيجة مباشرة لطفولة دمغتني بغياب الأب والتألم في صمت، ولرجولة مدموغة بتواري حضوري كأب، لأن الغياب والألم الصامت عاملان مؤسسان في تاريخ السينما المصرية.

صمت الأب ليس حالاً يعيشه الإنسان في ظروف معينة مثل اليتم أو انفصال الوالدين. هو حالة اجتماعية تاريخية بالذات في مصر: إلى اليوم ندفع ثمن صمت الأب سعد زغلول لما اعتزل وندفع ثمن كلام الأب جمال عبد الناصر الكثير. وقد كتبت في مواضع أخرى عن التواتر القوي لموتيفة الأب الغائب أو الميت فعلياً أو رمزياً في السينما العربية، كمعادل كرحيل الاستعمار/الأب أو لغياب صورة الأب الحامي في مجتمع ما بعد الاستعمار الذي يهيمن عليه الأب/المستبد. كذلك لا ينفصل الحزن عن فكرة المعاصرة، فالحداثة تحمل الفرح والحزن أيضا. والسينما ضوء مسلط على عواطفنا. وفي المقال، أتناول دور السينما كشريك في عملية التحديث الاجتماعي والثقافي.

موضوع مقالي العام هو الحزن والألم في السينما؛ الألم جزء مؤسس للحداثة المصرية، جعل السينما -بوصفها ساحة للحزن والألم- شريكاً هاماً لمشروع الحداثة الثقافي. وأرصد مفارقة في فيلم كلاسيكي محدد، هو عهد الهوى من إخراج أحمد بدرخان، مفارقة تجعل الذكر المتألم -لا الأنثى الضحية أو المضحية- في بؤرة العاطفة والاهتمام، على عكس المعتاد أو الظاهر في النوع الفني المعروف باسم الميلودراما، حيث محور القصة هو أنثى مضطهدة، متألمة، وضحية.

محور الحزن

رواية «غادة الكاميليا» لإسكندر دوما الابن من أكثر الأعمال الحداثية التي ألهمت السينما المصرية. وربما يرجع ذلك إلى محورية الحزن في القصة التي تلفت النظر إلى أن القلق والحزن والسأم عواطف لصيقة بدخول أوروبا عصر الرأسمالية الصناعية، وترسخ الحداثة في مجتمعاتها. هي قصة مرجريت الفتاة الريفية غير المتعلمة التي تسافر إلى العاصمة باريس وتلتحق بوظيفة عاملة في مصنع، يطحنها الفقر فتقرر أن تتحول إلى خليلة للأغنياء لتترقى ماليا. يقع الشاب الوجيه أرمان في حب مرجريت، ويعارض أبوه تلك العلاقة، ويضغط على مرجريت لتترك ابنه، فتضحي مرجريت بحبها للحفاظ على مصلحة حبيبها. لو تأملنا إنتاج السينما المصرية في الأربعينات والخمسينات لاتضح لنا أن تلك العواطف: الحزن والقلق والسأم قد صاحبت أيضاً تعمق جهود التحديث في مصر والعالم العربي، لاسيما في الفترة المعاصرة للحرب العالمية الثانية وما بعدها.

غادة الكامليا
غادة الكامليا

شعور المجتمع بالجزع نتيجة للتغيرات المجتمعية التي تسببها الحداثة المتسارعة في القرن التاسع عشر قد خلق حالة من السأم في أوروبا، كما عبر عن ذلك بودلير في شعره، وكما بين ذلك والتر بنيامين في تحليله لكتابات بودلير. أضف إلى ذلك تعاظم الشعور بالفقد بسبب فقدان القيم والممارسات والبنى الاجتماعية التقليدية الناتجة عن التحديث الطاغي. وقد أنتج شعورا الجزع والفقد المماثلان في مجتمعاتنا الواقعة تحت نير التحديث مساحات هائلة من الحزن والألم في المجتمعات العربية. بمعنى ما، استوردت المجتمعات العربية الحزن والألم مع استيرادها الحداثة ومع استيرادها منتجات مثل الروايات المترجمة التي اقتبست للمسرح وللسينما.

***

أركز هنا على فيلم مقتبس عن الرواية الفرنسية «غادة الكاميليا» اقتباسا كليا، وقد عُرض بعد بداية القفزة التحديثية التي جاءت بها حركة الضباط الأحرار في 1952. والفيلم بطولة فريد الأطرش (“عهد الهوى“، إخراج أحمد بدرخان، 1955). يبرز في الفيلم القلق المجتمعي الناتج عن التغيرات السريعة التي صاحبت سياسات وثقافة التحديث والتغريب، وشعور الأبطال بالحزن أو السأم أو كليهما، نتيجة فشل هذا التحديث في تحقيق الراحة أو الاستقرار في طبقاتهم الاجتماعية، من خلال علاقة المهندس المطرب فريد الأطرش بالفاتنة مريم فخر الدين خليلة الثري سراج منير.

عهد الاقتباس

في رأيي ليس المهم في تحليل الميلودراما أن أرصد سعي الأفلام المنتجة بعد يوليو 1952 إلى بناء صورة أخلاقية جديدة في إطار قيم حداثية مستوردة حديثا في الخمسينات، ولا أثبت قبول قطاع في المجتمع فكرة احترام حتى المرأة “الخاطئة”، ما دام الحب “يعمدها” ويغسل روحها من جديد. هذه فكرة مسيحية صميمة، ونموذجها قصة المرأة التي غسلت قدم المسيح وصار لها اعتبار معنوي كبير في المجتمعات ذات الثقافة المسيحية، رغم الشكوك حول حياتها الجنسية المتحررة (وهي في ذلك تشبه مرجريت بطلة رواية «غادة الكاميليا»). الزاوية المصرية -مثلاً في الفيلم من بطولة فريد الأطرش- لا تكتفي بالدعوة لإعادة الاعتبار للسيدة المهمشة طالما أحبت بصدق، وإنما تركز على إن تألم الرجل في هذه القصة النموذجية يرفع مقامه الرمزي. ولو مددنا الخط على استقامته لوجدنا مفارقة: إن غادة الكاميليا المصرية لا تنتج فقط ضحيةً مطهرة، لكن تنتج مسيحاً رجلاً يتألم بالحب وبسبب الحب، ويتألم بحب أيضا.

يعجبني فريد الأطرش جدا في الكوميديا ولا يعجبني كثيرا في الأدوار الجادة. لكن دوره في فيلم عهد الهوى يجذبني لأني مهتم برواية «غادة الكاميليا» وأمضيتُ عشر سنين أدرسها لطلبة كورس الأدب العالمي في جامعتي. واهتمام مخرج قومي كبير مثل أحمد بدرخان برواية “غادة الكاميليا” لإسكندر دوما ظاهرة لها دلالتها. لأن الرواية كانت جزءا من روايات عصر النهضة العربية في نسختها المترجمة. اهتمام بدرخان الكبير بالرواية يشبه اهتمام المنفلوطي بها، وهو الذي أعاد صياغة القصة بلغته ملخصة بعنوان “الضحية”. عند المنفلوطي الضحية هي مرجريت خليلة الأثرياء، التي قدمها بوصفها تائبة بعد أن امتحنها الله. في فيلم بدرخان، كما في الأصل الروائي الفرنسي، كان التركيز على العاشق الشاب أرمان الذي يلعب دوره فريد الأطرش. لكن في الأفلام والمسرحيات المقتبسة عن “غادة الكاميليا”، كان التركيز على مرجريت، على الضحية المؤنثة.

***

في الرواية الفرنسية، يسافر البطل أرمان إلى مستعمرة فرنسية ويجمع مالاً في غربته، أي إنه يتسلح بالمال. في فيلم “عهد الهوى” المقتبس عن “غادة الكاميليا” يسافر البطل فريد الأطرش إلى أوروبا ليكمل تعليمه الجامعي، اي إنه يتسلح بالعلم. وجهتا السفر في الحالين إشارة إلى حداثتين، واحدة استعمارية والثانية تابعة، أو على الأقل ساعية للحاق بنموذج المستعمر.
يبدأ الفيلم بمشهد عودة الشاب فريد الأطرش إلى عزبة/مزرعة العائلة، وكأن الفيلم يستعيد تفصيلة من الرواية، حيث إن أرمان قد سافر إلى مستعمرة الجزائر الفرنسية وعمل لفترة هناك، بعد انقطاع علاقته بمرجريت، لكن سفر أرمان يفتتح الرواية ويختتم العلاقة. سفر فريد إلى أوروبا يفتتح الرواية، وهو يقع قبل أن يلتقي بمريم فخر الدين، التي تلعب في الفيلم المصري دور مرجريت في الرواية الفرنسية، بينما يلعب يوسف وهبي دور الأب الذي يسعى لإثناء ابنه عن مواصلة العلاقة بالغانية.

شموع الحب

يتضمن فيلم “عهد الهوى” المقتبس عن رواية «غادة الكاميليا» استعراضاً تطل عليه شموع ضخمة تحترق. يشتهر مجاز “شمعة تحترق” في الميلودراما بشكل عام. لكن المثير في فيلم “عهد الهوى” هو أن الديكور يجسد هذا المجاز حرفيا وبصريا. في الرواية الأصلية، في المشهد الحاسم الذي يدخل فيه الحبيب أرمان مخدع حبيبته مرجريت وهي متألمة تنهشها أزمة سل، تطل على المشهد شمعة تحترق. وبمنطق التجاور، نرى هنا مجازاً مرسلاً فيه مرجريت التي “تذوي” يقابلها الشمعة التي تحترق. فيلم “عهد الهوى” يسترجع موتيفة الشمعة، لكن يربطها بشخصية أرمان، فريد الأطرش. وبدلاً من أن تكون الشمعة في مخدع البطلة، نجدها تحتضن بيانو على المسرح. فإذا كان البيانو مرتبطاً بمجال الموسيقى الدلالي، وكذلك فريد الأطرش الموسيقار أيضاً، إذاً فالشمعة وفريد يتبادلان الأدوار: كلاهما يحترق ليضيء الطريق للآخرين، وكلاهما يضع الآخر في بؤرة الضوء حرفياً. الشمعة في الرواية علامة على موت مرجريت التدريجي والمعلن منذ البداية.

في الفيلم، الشمعة علامة على تألم فريد وبريقه في الوقت نفسه. المسرح في الرواية فضاء تظهر فيه مرجريت لتلمع ويلمع خليلها بجانبها. وفي الفيلم، المسرح فضاء يحتل فريد مركزه ويصير أحد محاوره، أي أن مسرحة الشخصية الرئيسية أقوى في الفيلم. الرواية عن صعود وسقوط ابنة الطبقة العاملة التي تتحول إلى خليلة الأثرياء. الفيلم عن استعراض الجسد الذكر في وسط الضواء على خشبة مسرح وهو يتألم بسبب الحب وبسبب المرأة. وكأن الحداثة المصرية “تروض” وتخفف تأنث الحداثة الغربية، و”تذكر” تلك الحداثة وتدجنها لتستوعبها في بلاد النيل.

على مستوى الحياة الشخصية لفريد، يبدو مثيراً أن قصة ابن الناس الذي يحب فتاة من طبقة مختلفة ومهنة مقلقة اجتماعيا قريبة من حكايته الحقيقية مع فنانة قريبة من قلبه، وهي الفنانة الراقصة والممثلة سامية جمال شريكته في العديد من الأفلام في زمن الأبيض والأسود.

عهد الرجولة المتألمة

كان فريد الأطرش مقتبساً كبيراً كملحن، فدوره كبطل لفيلم مقتبس مجرد حلقة من سلسلة ممارسات اقتباسية يمثلها فريد. كان المطرب الكبير يمثل أيضاً وجهاً من وجوه الحداثة الذكرية الناعمة العاطفية مشبوبة العواطف في مصر. وهي ذكورة حداثية أيضاً بارتباطها بالفكرة القومية الحديثة. جسدت مصرية فريد الأطرش فكرة البوتقة المصرية اللي ينصهر فيها اللبناني/السوري مثل فريد. كانت الشاشة -وسينما الميلودراما خصوصاً- أنجح مساحة تحققت فيها فكرة القومية المصرية الحديثة والنهضة أو الحداثة بالصيغة المصرية. في لحظة معاصرة لإعلان الجمهورية -حيث عرض “عهد الهوى” بعد ثورة 1952 بأقل من ثلاث سنوات- كانت غنائية فريد وعاطفيته وغناؤه توازي صعود العاطفية القومية وتغير قوانين الصعود الطبقي، وهو التغيير الاجتماعي الذي مهدت له ثورة 1952.

مصادفة غريبة أن الفيلم الذي أحلله قد واكب ثورة 1952، تماماً مثلما عرضت مسرحية «غادة الكاميليا» لدوما الابن قبل عرض الفيلم بمئة عام وواكبت -في زمنها- انقلاب نابليون الثالث، وصاحبت عصر الأوبريت الذهبي في فرنسا، وعاصرت تثبيت نظام كان يسمح بالترقي الاجتماعي مقابل الانخراط في أجهزة الدولة ومشروعاتها في فرنسا القرن التاسع عشر، بما يشبه سياسة الدولة في مصر القرن العشرين. هذا المنطق الطبقي هو وجه التشابه بين النظام الناصري والنظام النابليوني. بالإضافة لانهيار النظامين بعد هزيمة عسكرية مروعة: 1870 و1967، وكما أن عبد الناصر كان الابن الأكبر الذي يزيح الأب الرمزي الرجعي والظالم (الملك/المستعمر)، كان فريد الأطرش في فيلم “عهد الهوى” هو الشاب الذي يصطدم بجيل المسنين الرجعيين الطبقيين.

***

«غادة الكاميليا» أو «سيدة الكاميليا» واحدة من أكثر الروايات رواجا في تاريخ الأدب الفرنسي، وفي تاريخ المسرح المصري. في المسرحية والأفلام الغربية المقتبسة عن الرواية تتمحور القصة حول السيدة التي ترتدي زهر الكاميليا كحلية. دائما ما كان دور غادة الكاميليا من نصيب نجمة كبيرة مثل روز اليوسف في المسرح المصري، أو سارة برنار في المسرح الفرنسي، أو جريتا جاربو في هوليوود. من المثير في فيلم “عهد الهوى” هو إن دور الرجل كبطل يتألم، يحتل مساحة رمزية أكبر من دور غادة الكاميليا، على الأقل لأن البطل المطرب هو الذي يغني حزنه.  في فيلم “عهد الهوى”، “يتأنث” الرجل لأنه يعبر عن عاطفية عالية ويبكي. لكن هذه “النعومة” الجندرية لا تنسينا إن الدعوة لأن “يغفر” المجتمع للمرأة المتحررة جنسيا جزء من خطاب الحداثة الأخلاقي، لكن هو خطاب محافظ أيضاً، لأن نموذج غادة الكاميليا لا يقبل فيه النص أن يغفر للمرأة المتحررة إلا بعد أن تتطهر بالألم والمرض ثم الموت.

وبهذا المعنى،«غادة الكاميليا» أكثر محافظة من العهد الجديد الذي نرى فيه المرأة “الزانية” وقد نالت رضا المسيح بعد أن عبرت عن تقديرها له، ودون أن تعاقب أو تموت. لعبة غادة الكاميليا في الحداثة المصرية كانت تساعد على الحصول على مساحة حرية أكبر للمرأة لكن أيضا كانت تهدئ من روع الرجال القلقين بسبب تحرر المرأة، وكانت تطمئنهم أن المرأة المتحررة لن تتسبب لهم في العار، إذا تألمت وتابت. أو – بصياغة مسيحية- سوف تحصل على الخلاص إذا تألمت. ولا شك عندي على أن هذه قرينة على تمتع الحداثة المصرية ببُعْد مسيحي.

التعاهد على الحب وعلى التحديث

“عهد الهوى” يبدو تعبيراً غريباً على لغة الحب بالذات اليوم. لكن ذلك التعبير كان مفهوماً لكل الناس في بدايات القرن العشرين. ونستطيع أن نحدس المقصود به، وهو أن الحبيبين يتعاهدان على الإخلاص في حب أحدهما للآخر. لكن ربما لا يكون واضحاً تمام الوضوح ارتباط العبارة “عهد الهوى” ببعد علماني تحديثي يمثل قطيعة معرفية. إن تعبير عهد الهوى قد بدأ عهداً جديداً مع النهضة أو الحداثة العربية لأنه بديل عن “عقد الزواج”. هو علاقة مبنية على كلمة شرف، لا على عقد مكتوب، وهو بذلك عهد/ عقد له طبيعة تراثية لأنه شفوي.

لكن هو حداثي لأنه يؤسس علاقة ارتباط رجل بامرأة على الحب واختيار الشخص، لا على الزواج واختيار الطبقة والعائلة. بالإضافة لأنه تعبير مترجم. ربما يصادفنا في التراث فكرة “تعاهدا وتواعدا”. لكن عبارة “عهد الهوى” ترجمة لتعبيرين أوروبيين: To pledge one’s love ; Serment  d’amour  لهذا تزداد جرعة الحداثة والعلمنة المرتبطة بتعبير عهد الهوى، خاصةً وأن الهوى في الموروث العربي المسلم مرتبط بالرغبة والمزاج والشطط ومرتبط بمخالفة الخطاب الإلهي، في شيء من البروميثية، ولهذا يقابل التراث بين النطق عن الهوى والنطق عن الوحي.

جمال عبد الناصر وقريد الأطرش
جمال عبد الناصر وقريد الأطرش

ربما كانت مصادفة أن العهد الجديد بمعنى الجمهورية وبالمعنى الإنجيلي الذي انتشر في مطلع الخمسينات.  لكني أشعر بوجود تصور مفاده أن الجمهورية المصرية هي تحقيق للعهد، مثلما كانت البشارة بالمسيح أيضا تأكيدا وتجديدا للعهد. وهذه بالمناسبة فكرة أمريكية: إن الجمهورية تجسيد للعهد المقدس. بهذا المعنى، فالفيلم المصري يحترم الروح المسيحية في الرواية الأصلية، التي يمكن تفسيرها بأنها تقدم مسيحاً أنثى: مرجريت التي تضحي بجسدها الذي ينهشه السل، لتفتدي العالم ممثلاً في حبيبها أرمان وأسرته وتغسله من خطيئة العلاقة بينهما، مثلما ضحى المسيح بجسده ليفدي العالم ويغسله من الخطيئة.

***

ثمة مصادفة تاريخية جعلت ظهور فيلم “عهد الهوى” يوافق سنة 1955، أي في لحظة قريبة من انتشار استخدام تعبير “العهد الجديد” للإشارة لتغير نظام الحكم في مصر في يوليو 1952. وهناك مصادفة ثانية، -وربما لم تكن بالمصادفة- هي أن عبارة “العهد الجديد” في استخدام المسيحيين العرب هو الصيغة الإيمانية والقانونية للعالم والتاريخ بعدما بدأ يسوع في تعليمه. ربما تكون مصادفة أن تعبيرات كثيرة عن الحداثة العربية قادمة من التراث العربي المسيحي أو على الأقل متوافقة مع مخيلة هذا التراث. نشرت في موضع آخر دراسة عن مجاز النهضة وتوافقه مع مجاز القيامة من بين الأموات. يوليو 1952 بوصفها علامة في تاريخ الحداثة العربية ظهرت لدى البعض بوصفها العهد الجديد، يعني الزمن الجديد، أو الوعد الجديد الذي قدمه الله للبشر، الذي ينسخ العهد القديم بالمعنى المقدس وبمعنى العهد الملكي.

إن استيعاب مدى هذا المجاز يجعلنا نفهم بعدا من أبعاد “الإيمان” بثورة 1952 وتصور ناصر وكأنه “ناصري” جديد، أو مسيح جديد. والميثاق-دستور ناصر في الستينات- هو لفظ يمكن استخدامه كترجمة لمفهوم العهد المقدس. وفي الحالين: نسخَ ناصر والناصري شريعة كانت تنظم المجتمع قبل ظهورهم. وفي الحالين كانا بطلين مصلوبين. هل معنى هذه المصادفات أن فريد الأطرش مرتبطا ب”عهد الهوى” يمثل معادلاً رمزيا لناصر، وأن كلاهما يشار إليه باستخدام مجاز المسيح؟ لا أظن أن أحمد بدرخان كان يقصد هذا المجاز في فيلم “عهد الهوى”. لكن المؤكد إن العاطفية العالية التي يجسدها فريد كانت تعادل العاطفية العالية في خطب ناصر في السنوات الأولى للثورة. يكفي نلاحظ كم مرة يستخدم ناصر تعبير “كنت أشعر” بين 1952 و1956. مجازات المضحي بحياته فداء للآخرين والمتألم عوضا عن الآخرين جزء من بلاغة تقديم الزعماء في بلادنا، لكن مصادفة الاسم ناصر/ الناصري مثيرة رمزيا وتاريخياً.

***

المؤكد أيضا هو أننا نعيش آلام فريد/أرمان أكثر مما نعيش آلام غادة الكاميليا/مريم فخر الدين في فيلم “عهد الهوى”. وليس من قبيل المصادفة أن مرجريت جوتييه في الرواية الفرنسية -ربما أكثر من النسخة المسرحية- تظهر مصحوبة بمجازات مسيحية، رغم إن المسرحية وقت ظهورها في منتصف القرن التاسع عشر كانت تحسب على التوجهات التقدمية المؤمنة بالعدالة الاجتماعية وقدر من العلمانية.

وهل لابد أن نتناول شخصية كل سيدة في فيلم مهم ونفسرها بأنها رمز للوطن؟ هل مرجريت جوتييه هي مصر؟ ربما احتاجت تلك القضية مقالاً منفصلاً. المؤكد أننا نفهم البعد العاطفي لخطاب التحرر القومي، مثلاً عند ناصر، وارتباطه بمجازات الأنوثة الوطنية والذكورة القومية الجريحة من خلال تحليل الميلودراما، مثلما في فيلم “عهد الهوى”.

اقرأ أيضا:

أم كلثوم العربية ضد عبد الوهاب المصري على الشاشة

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. منفضل اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.